محمد بن جرير الطبري
333
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أعلم : مدفوق = وقوله : ( فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) ، معناها : مرضية ؟ قال الشاعر : ( 1 ) دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا . . . وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي ( 2 ) ومعناه : المكسوُّ . * * * وقال بعض نحويّي البصرة : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) ، على : " لكن من رحم " ، ويجوز أن يكون على : لا ذا عصمة : أي : معصوم ، ويكون ( إلا من رحم ) ، رفعًا بدلا من " العاصم " . * * * قال أبو جعفر : ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء ، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه ، ما وُجِد إلى ذلك سبيل . ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل " عاصمًا " في معنى " معصوم " ، ولا أن نجعل " إلا " بمعنى " لكن " ، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا ، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك : قال نوح : لا عاصم اليوم من أمر الله ، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه ، كما يقال : " لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله " = " ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد " .
--> ( 1 ) هو الحطيئة . ( 2 ) ديوانه : 54 ، وطبقات فحول الشعراء : 98 ، واللسان ( طعم ) ، ( كسا ) ، ومعاني القرآن للفراء ، وغيرها كثير ، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان ، واستعدى عليه عمر بن الخطاب ، وقال عمر لحسان : أهجاه ؟ قال : لا ، ولكنه ذرق عليه ! وقد فسرته على أن " الطاعم " و " الكاسي " ، على النسب ، أي : ذو الطعام ، يشتهيه ويستجيده من شرهه = وذو الكسوة ، يتخيرها ويتأنق فيها ، لا هم له في المكارم . ولذلك قال الزبرقان لعمر : أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس ! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان : إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُم . . . أَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا .